ايكيب ميديا – مدريد
8 مارس 2026
نشر الصحفي الاسباني المخضرم إغناثيو سيمبريرو نهار اليوم الاحد مقالا استقصائيا في موقع “ميدل إيست آي” حمل عنوان (وسط المحادثات السرية التي تقودها الولايات المتحدة لحل نزاع الصحراء الغربية). يكشف النقاب عن جهود دبلوماسية أمريكية مكثفة وخلف الكواليس، بهدف حسم أحد أطول النزاعات المفتوحة في شمال إفريقيا، مسلطا الضوء على التعقيدات والتحديات التي تحول دون تحقيق اختراق سريع.
واستهل الكاتب بوضع القارئ في صورة السباق الدبلوماسي الذي تقوده واشنطن منذ خريف العام 2025، بتنظيمها ثلاث اجتماعات سرية جمعت لأول مرة منذ سنوات الأطراف الرئيسية في النزاع: المغرب وجبهة بوليساريو، بمشاركة الجزائر وموريتانيا في مسعى من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإضافة وسام جديد إلى سجله ك”صانع سلام”، هذه المرة في القارة الإفريقية.
وقدم المقال سياقا تاريخيا موجزا، يذكر بأن النزاع يعود إلى انسحاب إسبانيا من مستعمرتها العام 1975، وأن المنطقة لا تزال مصنفة ضمن “الأقاليم غير محكومة ذاتيا” لدى الأمم المتحدة. ورغم وقف إطلاق النار عام 1991، إلا أن خطة إجراء استفتاء لتقرير المصير لم تر النور أبدا، مما عزز سيطرة المغرب على نحو 80% من الإقليم، بينما تدير بوليساريو الباقي.
يكمن جوهر التقرير في الكشف عن تفاصيل المقاربة الأمريكية الجديدة. فبحسب المصادر الدبلوماسية التي اعتمد عليها سيمبريرو، تضغط واشنطن على المغرب لتقديم عرض أكثر تفصيلا وجدية للحكم الذاتي، بدلا من وثيقة 2007 الموجزة. وقد استجابت الرباط عبر فريق من ثلاثة مستشارين لملك المغرب، قدموا في يناير نسخة موسعة من المقترح امتدت لـ38 صفحة. وبحلول هذا المقترح، عقد المبعوث الأمريكي لإفريقيا، مسعد بولس، ثلاث جولات من المحادثات في واشنطن ومدريد بين أواخر يناير وفبراير.
ولعل أبرز ما ورد في التقرير هو إعادة الجمع بين وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة ونظيره في “الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية” محمد يسلم بيسط على طاولة المحادثات بعد انقطاع منذ مارس 2019. هذا وحده يعد نجاحا دبلوماسيا لأمريكا، خاصة وأن الأمم المتحدة تم تهميشها نوعا ما، رغم حضور مبعوثها الشخصي ستافان دي ميستورا.
لكن تحت سطح هذا الزخم الدبلوماسي، يكشف سيمبريرو عن فجوات عميقة لا تزال تعرقل التقدم. النقاش يدور حول الحكم الذاتي، لكن التصورات عنه متناقضة جوهرياً فالرؤية المغربية تهدف، وفقا لدبلوماسي مخضرم نقله التقرير، إلى “عدم ترك أدنى ثغرة يمكن أن تسمح للمنطقة بالتحرك نحو تقرير المصير”. المقترح المغربي، حسب التسريبات، محاط بضمانات لصيانة السلطة المركزية، حيث يعين ملك المغرب رئيس اقيم الصحراء الغربية بدلا من انتخابه. الهدف هو تعديل الدستور المغربي عبر استفتاء يشارك فيه جميع المغاربة (37 مليونا)، وليس الصحراويين وحدهم.
اما الرؤية الصحراوية (بوليساريو) فانها تسعى، وفق المصدر ذاته، إلى علاقة أكثر مرونة مع المغرب، شبيهة بوضع “الدولة المرتبطة بحرية” (Free Associated State) مثل بورتوريكو مع الولايات المتحدة، وهو ما قد يسمح للصحراء الغربية بامتلاك دستورها الخاص. كما تصر على أن أي حل يجب أن يقر عبر استفتاء يقتصر على الشعب الصحراوي فقط، مستندة في ذلك إلى نص قرارات الأمم المتحدة التي تنص على “تقرير المصير”.
بالإضافة إلى ذلك، يثير المقال تساؤلات حول مدى قدرة الدولة المركزية المغربية على منح وتطبيق حكم ذاتي حقيقي، خاصة في ظل تجربة التهميش التي تعرضت لها احتجاجات الريف عام 2017. كما أن غياب أي اعتراف صريح بالهوية الصحراوية (كعلم ونشيد) في المقترح المغربي يزيد من تعقيد المهمة الأمريكية.
يخلص سيمبريرو إلى أن الطريق ما زال طويلا وشاقا. فإلى جانب الخلافات الجوهرية حول الحكم الذاتي، يبقى ملف المصالحة بين المغرب والجزائر (المنقطعة منذ 2021) هو الهدف الأكبر لواشنطن، التي ترى في حل النزاع خطوة أولى نحو توحيد ثقلين إقليميين لمواجهة النفوذ الصيني. لكن التصريحات المتفائلة للمبعوث الأمريكي ستيفن ويتكوف في أكتوبر الماضي، والتي توقعت اتفاقا خلال 60 يوماً، تبدو الآن بعيدة المنال، مع عدم تحديد موعد لجولة رابعة من المحادثات.
ديناميكيات خفية يشهدها الملف بحسب سيمبريرو إنه يكشف عن إرادة أمريكية حقيقية للحسم، لكنه في الوقت نفسه يبرز بوضوح أن العوائق ليست إجرائية، بل جوهرية تتعلق بتصورات متباينة للسيادة والهوية وتقرير المصير، مما يجعل مهمة الوسيط الأمريكي أشبه بحل معادلة معقدة، قد تستغرق وقتا أطول بكثير مما يرسمه صناع القرار في واشنطن . وقد يفوت ذلك الفرصة لتحقيق منال الرباط وحلفائها لطي الملف لصالحهم و يكرس تطلعات ورؤية بوليساريو بان لا حل للقضية خارجا عن تمكين الشعب الصحراوي من ممارسة حقه الغير قابل للتصرف طال الزمن ام قصر .





