للفريق رأي : في الذكرى الخمسين للجمهورية الصحراوية: قراءة في انتصار الإرادة على منطق فرض الأمر الواقع

ايكيب ميديا

نشرت إذاعة فرنسا الدولية (RFI) مقالا تحت عنوان ” بعد خمسين عاما على قيامها الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية تحصي مؤيدبها” يبرز قراءة مغايرة بعيد كل البعد عن حقيقة ما يجري على الأرض. فالقيمة الحقيقية لهذه الذكرى لا تكمن في عدد الدول التي تعترف أو تسحب اعترافها، بل في حقيقة أكثر جوهرية وهي استمرار وجود القضية الصحراوية رغم كل محاولات طمسها.

أولا: الذكرى الخمسون كدليل على فشل مشروع فرض الأمر الواقع

عندما أعلنت الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية في 27 فبراير 1976، كانت المنطقة تشهد حملة ابادة جماعية واختطافات تهجيرا قسريا للمدنيين الصحراويين الذين لم يجدوا بديلا عن الصحراء الجزائرية التي احتضنتهم ووفرت لهم سبل العيش والبقاء .

بعد خمسين عاما، ورغم سيطرة المغرب على 75% من الأرض كما يشير مقال الاذاعة يبقى السؤال الجوهري: أين هي شرعية هذه السيطرة؟

الواقع أن الذكرى الخمسين تمثل دحضا عمليا لمنطق “فرض الأمر الواقع” الذي تبناه المغرب بدعم من قوى استعمارية سابقة. فالقانون الدولي، ممثلاً في قرارات الأمم المتحدة، لا يزال يصنف الصحراء الغربية ضمن “المناطق غير المتمتعة بالحكم الذاتي”. هذا التصنيف، الذي يذكره مقال الاذاعة بكل موضوعية، يمثل حجر الزاوية في الشرعية الدولية. إن بقاء هذا التصنيف بعد خمسين عاما هو بحد ذاته انتصار لمنطق الحق على منطق القوة.

ثانيًا: المفارقة في الموقف الدولي.. اعترافات مشروطة ودعم متغير

يبرز مقال RFI تحولات الموقف الدولي، خاصة الاعتراف الأمريكي في عهد ترامب والموقف الفرنسي الداعم لخطة الحكم الذاتي المغربية. لكن قراءة متأنية لهذه التطورات تكشف عن هشاشتها:

هذه الاعترافات الوظيفية ليست مبنية على قناعة قانونية أو تاريخية، بل تأتي في إطار صفقات سياسية واقتصادية (كما يلمح المقال نفسه عندما يذكر أن الحل الأمريكي “يرتب مصالحهم الاقتصادية”). والدليل على هشاشتها هو تباين المواقف الأوروبية وعدم إجماعها.

الضغط مقابل الصمود: إذا كان المغرب يعول على الدعم الغربي، فإن جبهة البوليساريو تعول على عاملين أكثر رسوخا وهما الحق التاريخي، والتمسك الشعبي. وما تصريح وزير الخارجية الصحراوي في المقال بأن “لا شيء سيتم دون موافقة الشعب الصحراوي” إلا تأكيد على أن الشعب الصحراوي هو صاحب الكلمة النهائية، وليس القوى الكبرى.

قوة الإرادة في مواجهة آلة الحرب والدبلوماسية

ما يعجز عنه مقال اذاعة فرنسا الدولية (ربما لطابعه الخبري) هو إبراز طبيعة القوة الصحراوية. صحيح أن المقال ينقل صورة الاعترافات الدولية لصالح المغرب، لكن القراءة المعاكسة تكشف أن الصحراويين استطاعوا، طوال خمسين عامًا، أن يحافظوا على كيان سياسي (الجمهورية) معترف به من قبل العشرات من دول العالم و على تمثيل دبلوماسي في الاتحاد الإفريقي كعضو مؤسس وأن يبقوا القضية حية في المحافل الدولية، رغم كل محاولات التطبيع ثم اعادتهم لإنتاج النضال بوسائله المختلفة من الكفاح المسلح إلى النضال السلمي والدبلوماسي.

قد يقرأ البعض مقال الاذاعة الفرنسية ويستنتج أن الجمهورية الصحراوية “تعد مؤيديها” في زمن تراجع فيه الدعم. لكن القراءة الأعمق، التي تنطلق من مبدأ الحق في تقرير المصير كحق ثابت غير قابل للتصرف، تقول عكس ذلك تماما.

الذكرى الخمسون ليست ذكرى تراجع، بل هي ذكرى استمرار. هي دليل على أن مشروع “المغرب الوظيفي”، المدعوم غربيا، فشل في إنهاء القضية. هي دليل على أن إرادة الشعوب أقوى من صفقات القوى الكبرى. فطالما بقي شعب واحد متمسكا بحقه، وطالما بقي كيان واحد ممثلا له، وطالما بقي القانون الدولي واضحا في نصه (وإن تعطل تطبيقه)، تبقى القضية حية، ويبقى النصر النهائي للحق ولو بعد حين.

  • Related Posts

    حكم بالسجن ل 6 أشهر وغرامة 15.000 درهم لبابيت والصبار، عائلتي المعتقلين تجهل مصيرهما وتتهم سلطات الاحتلال باساءة معاملتهما

    ايكيب ميديا- هيئة التحرير26/02/2026 أعلنت محكمة الاستئناف بأكادير، اليوم الخميس 26 فبراير 2026، تخفيض العقوبة الصادرة بحق الطالبين الناشطين الصحراويين، إبراهيم بابيت وصلاح الدين الصبار، من ثمانية أشهر إلى ستة…

    الأمم المتحدة: مباحثات “إيجابية” في واشنطن بشأن الصحراء الغربية وتأكيد على ضرورة حل القضية عبر الية تقرير المصير

    ايكيب ميديا- هيئة التحرير 25 فبراير 2026 أعلن ستيفان دوجاريك، المتحدث الرسمي باسم الأمين العام للأمم المتحدة، أن المبعوث الشخصي للصحراء الغربية، ستيفان دي ميستورا، شارك في رئاسة جولة مفاوضات…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *